لا تقتصر معاناة المواطنين في مسافر يطا، جنوب الخليل، على تهديدات الهدم والمصادرة، بل تمتد إلى حق الأطفال في التعليم، الذي بات يواجه تحديات يومية بفعل إجراءات الاحتلال واعتداءات المستوطنين.
وبين الحواجز العسكرية والاقتحامات المتكررة وإغلاق الطرق، يخوض الطلبة والمعلمون رحلة شاقة للوصول إلى مدارسهم، في مشهد يعكس واقعاً تعليمياً مثقلاً بالانتهاكات، لكنه لا يخلو من مظاهر الصمود والإصرار على البقاء.
وأشار مدير مكتب التربية والتعليم في يطا، ياسر محمد، إلى تصاعد حجم الاعتداءات الإسرائيلية التي تستهدف مسيرة التعليم في يطا والمسافر، في ظل خصوصية المنطقة ومحاولات الاحتلال تهجير السكان والاستيلاء على أراضيهم عبر الهدم والتضييق وإطلاق العنان للمستوطنين.
وعن أبرز الانتهاكات التي يتعرض لها المعلمون والطلبة في مسافر يطا، قال محمد، إنه يتم اعتراض طريقهم عبر الحواجز المؤدية إلى مدارس المسافر، ما يعطل العملية التعليمية ويؤخر وصولهم، إلى جانب ترويع الطلبة صباحاً أثناء انتظار المركبات، والحركات الاستفزازية التي يتعمد المستوطنون القيام بها أمامهم.
ولفت إلى أن مستوطنين اعترضوا قبل أيام مركبة تابعة لمديرية التربية والتعليم خلال متابعتها للعملية التعليمية في مسافر يطا، حيث جرى إيقاف المركبة واستفزاز الركاب والسائق.
وأكد محمد أن هذه الاعتداءات تتم على مرأى ومسمع من قوات الاحتلال التي تحقق أهداف المستوطنين عبر ملاحقة المعلمين والطلبة، ومنع وصولهم، وتوزيع الإخطارات على المدارس، وإطلاق العنان لاعتداءاتهم.
وقال: أقدم المستوطنون قبل أسابيع على إطلاق أبقارهم داخل حديقة مدرسة المسافر الثانوية، وتركها ترعى المزروعات داخل أسوار المدرسة.
ولفت إلى أن الاحتلال يعطل انتظام العملية التعليمية في 25 مدرسة في بادية ومسافر يطا، أبرزها مدارس التواني وسوسيا ومنيزل والمجاز والصفي والدقيقة، ما يؤخر وصول الطلبة والمعلمين لساعات عدة.
وأضاف: تتضاعف المعاناة في 9 مدارس تقع في قلب مسافر يطا، حيث يواجه المعلمون والطلبة أصنافاً من المعاناة، محذراً من انعكاس الأثر النفسي على الطلبة وتحصيلهم الدراسي.
تلك الاعتداءات ألقت بظلالها على انتظام الدراسة لدى الطلبة، حيث كشف مدير مدرسة جنبا المختلطة، إبراهيم الدبس، عن حالات تسرّب في صفوف الطلبة خلال الفترة الماضية في ظل اعتداءات الاحتلال وانتهاكات المستوطنين، رغم أن أعداد الطلبة كانت تزداد في الفصل الثاني من كل عام دراسي مع قدوم الأهالي للإقامة في فصل الربيع.
ويدرس قرابة 40 طالباً في مدرسة جنبا المختلطة من 3 تجمعات سكانية: جنبا، والمركز، وبئر الغوانمة، وتقع المدرسة في أقصى جنوب شرقي مسافر يطا على الحدود مع الداخل.
وأوضح مدير المدرسة أنها لا تبعد عن معسكر لجيش الاحتلال، وهي محاطة بعدة مستوطنات، ما يشكل حالة خوف ورعب يومي لدى الطلبة بسبب الاقتحامات المتكررة، التي يقف المعلمون والمدير عاجزين أمام صرخات الأطفال خلالها.
ويضطر بعض طلبة مدرسة جنبا إلى قطع مسافة تتجاوز 10 كيلومترات يومياً ذهاباً وإياباً، ويسلكون الجبال الوعرة لتجنب مضايقات المستوطنين، وأغلبهم من طلبة الصفين الأول والثاني. كما يُجبر المعلمون على التوجه في ساعات الصباح الباكر لضمان قطع مسافات طويلة بسبب الحواجز بين المسافر وبلدة يطا.
وكان آخر اعتداءات المستوطنين، حسب الدبس، قبل أيام على مدرسة جنبا، حيث رُصدوا ليلاً عبر الكاميرات وهم يرتدون لباساً عسكرياً ويحاولون كسر بوابة المدرسة واقتحامها.
ويشكّل 44 طالباً بمدرسة المجاز في المسافِر، وجهاً آخر للمعاناة، بسبب اعتراضهم بشكل شبه يومي والتنكيل بهم.
وأشار مدير مدرسة المجاز، أحمد الجبارين، إلى أن 6 من طلبة المدرسة من منطقة إصفي يقطعون يومياً 12 كيلومتراً لمحاولة تجاوز الحواجز ومواقع البؤر الاستيطانية، ورغم ذلك يتعرضون للاعتراض والاعتداء.
وبين الجبارين أن العملية التعليمية تتعطل بشكل شبه يومي، حيث يمنع الاحتلال وصول المعلمين والطلبة إلى المدارس لساعات، بين الحواجز وتدريبات الجيش واقتحامات المستوطنين.
وتبدي عائلات الطلبة قلقاً على أبنائها خلال توجههم وعودتهم من المدارس.
وأكد المواطن أحمد يونس من تجمع إصفي أنه يضطر أحياناً لمرافقة أبنائه الذين تقل أعمارهم عن 13 عاماً، ويسلكون طرقاً وعرة للوصول إلى المدرسة التي تبعد 7 كيلومترات عن مسكنهم.
ولفت يونس إلى أن المخاوف لا تتوقف من اعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال على الطلبة والمدارس خلال رحلة الذهاب والإياب.
وأشار الناشط في مقاومة الاستيطان ورصد انتهاكات الاحتلال في مسافر يطا، أسامة مخامرة، إلى الترابط بين انتهاكات جيش الاحتلال واعتداءات المستوطنين بحق المعلمين والطلبة.
وأوضح مخامرة أن جيش الاحتلال يقطع الطرق على المعلمين، ويستولي على مركباتهم بزعم دخول مناطق عسكرية، ويغلق المدارس، فيما يعتدي المستوطنون على الطلبة والمعلمين ويمارسون أشكالاً مختلفة من الاستفزاز.
ونوه إلى تصاعد حدة اعتداءات المستوطنين مؤخراً، خاصة مع انتشار المستوطنات الرعوية، حيث يطلق المستوطنون مواشيهم وأبقارهم بين المساكن والطرقات، ما يعرض المارة، خاصة في فترات الصباح أثناء توجه الطلبة إلى مدارسهم، للخطر.
كما يغلق جيش الاحتلال عدداً من المدارس ويمنع الوصول إليها في عدة مناطق بالمسافر خلال فترات يحددها، بزعم التدريبات العسكرية ووقوعها في مناطق تعرف بـ"مناطق إطلاق النار".
ويرى مخامرة أن استمرار المسيرة التعليمية في مسافر يطا يشكل جزءاً من حالة الصمود والتحدي، وإفشالاً لمحاولات الترحيل والتهجير من المنطقة.

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف