كل جمود مشروع انفجار مدوٍ. وكل سيولة مشروع تقلبات مباغتة.. لثلاثين سنة متصلة من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك عانت السياسة المصرية جموداً في مؤسسات الدولة باسم الاستقرار.
في الخمس سنوات التالية لإطاحته عانت نفس المؤسسات سيولة نالت من كبار المسؤولين باسم الثورة. لا جمود المؤسسات أفضى إلى تحصين النظام الأسبق، ولا سيولة التغيير تجاوزت الوجوه إلى مراجعة السياسات.
بعد انقضاء عصر مبارك توالى على المقعد الرئاسي أربعة رجال اختلفوا في كل شيء تقريباً، من حيث طبيعة الشخصية والتوجهات الأساسية لكنهم لم يسعوا جميعاً لبناء قواعد دولة ديمقراطية حديثة تستحقها مصر.
أولهم، المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي تولى إدارة شؤون البلاد وحاز صلاحيات تعيين الحكومات وكبار المسؤولين في الدولة. وقد أخفقت «المرحلة الانتقالية الأولى» التي قادها في وضع قواعد دستورية لدولة تستجيب لأهداف الثورة.. باستثناء أنه حافظ على سلامة الجيش في لحظات سيولة ثورية، فإن الحصاد كان مريراً بتسليم البلد من دون دستور إلى جماعة سرية.
وثانيهم، الدكتور محمد مرسي الذي كان مرشحاً احتياطياً في الانتخابات الرئاسية لرجل الجماعة القوي خيرت الشاطر..
وقد فشل بصورة كاملة في أن يكون رئيساً لكل المصريين وآلت الرئاسة إلى سكرتارية تنفيذية ل«مكتب الإرشاد» حتى وصلنا إلى (٣٠) يونيو.
وثالثهم، المستشار عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية العليا الذي صعد إلى موقع الرئيس المؤقت متحملاً مسؤولية «المرحلة الانتقالية الثانية» بعد إطاحة الجماعة. وقد كانت تجربته قاسية بالنظر إلى الإرهاب الذي انفجر في وجه المجتمع والأعباء السياسية والاقتصادية الجديدة.
ورابعهم، الرئيس عبد الفتاح السيسي قائد الجيش الذي صعد إلى السلطة وسط شعبية لا سبيل للتشكيك فيها نظراً لدوره في إنقاذ البلاد من احتراب أهلي مؤكد.
في إبريل (٢٠١١) قال ما نصه في اجتماع مغلق حضره بصفته رئيساً للاستخبارات العسكرية: «كيف نوقف الاندفاع الثوري ونبني الدولة الجديدة في نفس الوقت؟».. سؤاله القديم تحديه الرئيسي الآن.
رغم انكسار الزخم الثوري فلم تبن مؤسسات دولة تليق بحجم التضحيات التي بذلت والآمال التي حلقت. غياب أي عدالة انتقالية ومساءلة جدية لسياسات الجمود الطويل أوقع سبعة رؤساء لحكومات ما بعد «يناير» في فخ الجمود نفسه بوجوه وصياغات مختلفة.
أولهم، الفريق أحمد شفيق الذي عينه الرئيس الأسبق مبارك بعد إقالة حكومة أحمد نظيف كاستجابة متأخرة لضغط ميادين الثورة ومحاولة امتصاص غضبها. بعد مبارك واصل مهمته بتكليف من خلفه المشير حسين طنطاوي.
الارتباك الفادح ساد تجربته، فهو بخلفيته السياسية ينتسب إلى النظام الأسبق، وهو بطموحه الإنساني يسعى لتثبيت أقدامه في بيئة ثورية.. بين خلفيته وطموحه دخل في صدامات كانت نتيجتها الطبيعية الخروج من «قصر لاظوغلي».
وثانيهم، الدكتور عصام شرف الذي صعد لمنصبه باعتباره «مرشح الثورة» غير أن تعقيدات الموقف أدت إلى مغادرته رئاسة الحكومة وسط شبه إجماع..
وثالثهم، الدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء المخضرم الذي بدا حلاً ممكناً لتوازن ما بين متطلبات الدولة شبه المنهارة وحسابات «المجلس العسكري» مع القوى السياسية المتصارعة.
بدأت المناوشات سريعاً مع الجماعة التي سعت لتمثيل يناسب طموحها في الحكومة.
عندما سيطرت على أكثرية البرلمان بدأت تتطلع إلى إطاحة الجنزوري والتفاوض عبر قنوات سرية لصعود «الشاطر» إلى المقعد نفسه.. أطيح بالأول ولم يتمكن الثاني من الصعود.
رابعهم، الدكتور هشام قنديل الذي قفز في أشهر معدودة من منصب مدير مكتب وزير الري إلى رئاسة الحكومة كلها مع بداية عهد «مرسي».
كان طلب أن تحل مكانه شخصية توافقية مدنية من أهم ما دعت إليه «جبهة الإنقاذ» التي عارضت الجماعة ووفرت الغطاء السياسي لإطاحتها. المثير أن صلب سياساته لم يختلف في الجوهر الاقتصادي عما اتبعه نظام مبارك.
ثمانية وزراء مالية متعاقبون مالوا بدرجات مختلفة إلى إعادة إنتاج جوهر السياسات القديمة.
تقارب على نحو لافت «الليبرالي» و«الإخواني»، ورجال النظام الأسبق والذين يعادونه، دون أن يفكر أحد في تغيير السياسات جذرياً والالتزام الصريح بقضية العدل الاجتماعي..
وهذه مفارقة تستحق فحصها بالتفاصيل والأرقام.
خامسهم، الدكتور حازم الببلاوي الذي صعد في ظروف أكثر صعوبة من أسلافه، فالرصاص يدوي في الشوارع والإرهاب يعلن عن نفسه. وكانت مهمته الرئيسية أن تقف الدولة على أرض شبه صلبة، غير أنه لم يتمكن كغيره من التأسيس لسياسات تأخذ مصر إلى مسار جديد، وكانت حكومته، بالقياس إلى الحكومات الأخرى، شبه سياسية.. وذلك إنجاز لم يتسن له أن يستمر ويتطور بالتجربة.
سادسهم، المهندس إبراهيم محلب الذي غلبته نزعة النزول إلى الشارع والارتباط بالناس ومشاكلهم من دون أي رؤية سياسية واضحة يستند إليها هذا النزول.. وحاز تعاطفاً شعبياً كبيراً عند خروجه من منصبه لم يتوافر لأسلافه بسبب قوة الانطباع العام عن أنه رجل عمل متواضع و«شغال».
وسابعهم، المهندس شريف إسماعيل وحكومته تكنوقراطية يصعب عليها مواجهة أي تحديات تحت قبة البرلمان. الحكومة كما يعترف أركانها لا صلة لها بالسياسة والبرلمان سيولته مزعجة وخبراته السياسية محدودة.
أسوأ احتمال ممكن إعادة إنتاج الجمود لتجنب آثار السيولة الزائدة.. العودة إلى الجمود شبه مستحيلة.
في عصر الجمود الطويل احتكرت أسماء بعينها مناصب الدولة العليا لأكثر من عشرين سنة امتدت أحياناً إلى ربع قرن.
أياً كان الحكم على مستويات كفاءتها هناك طاقة للإبداع والتجديد تستنزف بمضي السنوات والعقود.
في آخر عشرين سنة من حكم مبارك تولى وزارة الخارجية ثلاثة رجال على درجات مختلفة من الكفاءة هم عمرو موسى وأحمد ماهر السيد وأحمد أبو الغيط بينما تولاها في سنوات ما بعد «يناير» خمسة رجال آخرون، هم نبيل العربي ومحمد العرابي ومحمد كامل عمرو ونبيل فهمي وسامح شكري.
معدلات التغيير غير طبيعية بأي قياس باستثناء تقلبات الثورات.
جرت انقلابات دبلوماسية وفق تغير الرؤساء لا الوزراء...
بصورة أو أخرى تحتاج مصر إلى مراجعة حقيقية في ملف سياساتها الخارجية تغادر الماضي وتؤسس للمستقبل. هناك فارق بين ترميم ما تهدم والبناء من جديد.
في حقيبة سيادية أخرى هناك حاجة أكثر إلحاحاً إلى التصحيح والإصلاح وفق القيم الدستورية. بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على مقعد وزير الداخلية أطاحت «يناير» بحبيب العادلي وصعد إلى موقعه خمسة لواءات هم محمود وجدي ومنصور العيسوي ومحمد إبراهيم يوسف ومحمد إبراهيم ومجدي عبدالغفار.. ورغم التغيير المتسارع في الرجال لم تتأسس علاقة جديدة بين الشرطة وشعبها ولا جرت أي عمليات إصلاح في بنية جهازها تستجيب لمتطلبات العصر.
أي رصد لحجم تغيير الوجوه في الوزارات الأخرى يصل إلى الاستنتاج نفسه..التغيير في السياسات وفق الشرعية الدستورية من مقتضيات أي استقرار حقيقي في مؤسسات الدولة.
رئيس تحرير جريدة "العربي" الناطقة بلسان الحزب العربي الديمقراطي الناصري – القاهرة

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف