نقصد بـ «نحن» فلسطين وقضيتها، بالمعنى الوطني الأشمل، واليسار الديمقراطي الفلسطيني على نحو خاص، كما نقصد بأميركا اللاتينية اليسار الديمقراطي في القارة والإقليم اللاتيني، لأن مصطلح «اللاتينية» يتعدى القارة الأمريكية الجنوبية نحو الشمال، بلدان البحر الكاريبي بدءاً منبنما وصولاً إلى وسطها الذي يشمل المكسيك، و«اللاتين» مصطلح يشير إلى البابوية في روما.
أعلنت دولة الفاتيكان اعترافها بفلسطين رسمياً دولة مستقلة، في الثاني من كانون الثاني /يناير الجاري، بعد أن دخل الاتفاق بين الفاتيكان وفلسطين حيز التنفيذ والذي وقع في حزيران /يونيو الماضي، وإذا ما أضفنا اليونان، وقد صوت البرلمان اليوناني في 22 كانون الأول «ديسمبر الماضي بالإجماع» الاعتراف بدولة «فلسطين»، ليصل عدد الدول التي اعترفت بفلسطين «دولة مستقلة» هو 136 دولة.
تحظى القضية الفلسطينية بتأييد في هذا الإقليم، أكثر من أي رفعة إقليمية أخرى في العالم، ومن خلال هذا الاطلاع الواسع على القضية الفلسطينية يأتي التضامن والتأييد، من قبل الدول اللاتينية، بدأت أول الاعترافات من جمهورية الباراغواي أولى دول أمريكا اللاتينية التي اعترفت بدولة فلسطين، وجرى تبادل دبلوماسي مباشرةً بين البلدين، وذلك في عام 2005، وفي عام 2008 اعترفت كوستاريكا بالدولة الفلسطينية وتمثيل دبلوماسي مشترك بينهما، وفي عام 2009 اعترفت فنزويلا وجمهورية الدومينيكان بفلسطين، وفي كانون الأول/ديسمبر عام 2010، اعترفت أربعة دول جديدة بفلسطين، هي البرازيل، الأرجنتين، بوليفيا، الاكوادور، وفي عام 2011 اعترفت بيرو، تشيلي، غوايانا، سورينام، أوراغواي، السلفادور، هندوراس، سانت فينست، بيليز، بابوبوردا، وغرينادا، وفي عام 2013 اعترفت كل من غواتيمالا وهاييتي بدولة فلسطين، باستثناء المكسيك وكولومبيا وبنما، حيث ترتبط هذه البلدان بعلاقات اقتصادية وعسكرية قوية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأيدت أمريكا اللاتينية قرار الأمم المتحدة منح فلسطين صفة «دولة عضو مراقب» على حدود 4 حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية (العربية) المحتلة، وعودة اللاجئين عملاً بالقرار الأممي 194، باستثناء بنما..
كما أن امتحان ثبات هذا التأييد للقضية الفلسطينية تجلى بوضوح 29 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2012 في تأييد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 19/67 لمنح فلسطين صفة «دولة مراقب غير عضو» في الأمم المتحدة، ولم تعارضه سوى بنما، وامتنعت عن التصويت عليه: كولومبيا، هاييتي، وغواتيمالا.
سبق لدول أمريكا اللاتينية أن دعمت نشوء دولة «إسرائيل» وكان لها دوراً مشهوداً في الأمم المتحدة، حين أيدت قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181، أي قرار تقسيم فلسطين، والصادر في 29 تشرين الثاني / نوفمبر عام 1947، والذي بموجبه دخلت إسرائيل عضواً في الأمم المتحدة، وفي حينها ــــ عام 1947 ـــــ صوتت دول أمريكا اللاتينية لصالح قرار التقسيم، هي بوليفيا، البرازيل، كوستاريكا، الدومينيكان، الاكوادور، غواتيمالا، هاييتي، نيكاراغوا، بنما، باراغواي، وفنزويلا، وصوتت دولة واحدة ضده هي كوبا، وامتنعت ستة دول عن التصويت هي: الأرجنتين، تشيلي، كولومبيا، السلفادور، هندوراس، والمكسيك، هذه الدول كانت تحت أنظمة ديكتاتورية وهيمنة الولايات المتحدة الأميركية.
بعد تصويتها على هذا القرار، قامت هذه الدول بالاعتراف بـ «دولة إسرائيل»، وقد كان الإقليم برمته تحت الهيمنة الأميركية المباشرة.
خلال فترة النضال المديدة للخلاص من الديكتاتوريات واستغلال الشركات الأمريكية، وتجسيد السيادة وبروز ظاهرة «لاهوت لتحرير» ازدادت حالة الوعي لدى الشعوب اللاتينية، بحقيقة وجوهر «إسرائيل»، خاصةً في صفوف حركات التحرر الوطني في الإقليم، التي هدفت إلى الانعتاق والخلاص من علاقات الهيمنة والتبعية للولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، التي ساهمت بنشاطات تآمريه ضد هذه الشعوب، بدءاً من الانقلاب في تشيلي ضد حكومة الليندي الاشتراكية، وفضائح عصابات الكونترا الشهيرة، الأمر الذي دفع اليسار اللاتيني بعد وصوله إلى الحكم إلى إعادة تقييم هذه العلاقة، وفي اتخاذه مواقف داعمة لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، ومع اليسار الفلسطيني على وجه الخصوص.
الحدث البارز مع إطفاء شموع العام المنصرم كان على يد البرازيل عملاق أمريكا اللاتينية وقاطرة دولها، برازيل ديلما روسيف الاشتراكية التي اتخذت رفضاَ قاطعاً لاعتماد سفير إسرائيل داني ديان، بسبب ملفه الملطخ بالتطرف، والذي شغل من قبل منصب رئيس مجلس المستوطنات، مما أدى إلى توتر العلاقات مع إسرائيل، ولم يكن هذا الموقف جديداً لمن يتابع، فقد سبق أن استدعت البرازيل سفيرها من إسرائيل، بسبب عدوانها الدموي على قطاع غزة صيف عام 2014، حينها أدانت الرئيسة روسيف العدوان البشع بقولها: «إن ما يحدث في قطاع غزة هو أمر خطير، أنا لا اعتقد أنها إبادة جماعية، لكنني اعتقد أنها مجزرة إنسانية، إنه اجراء غير متكافئ».. كما قطعت فنزويلا وبوليفيا علاقاتها مع «إسرائيل» منذ عدوان 2009 على قطاع غزة (حكومات يسارية)
إن عدم اعتماد السفير الإسرائيلي المذكور، يدفع اليمين المتطرف في حكومة نتنياهو إلى التصعيد نحو أزمة دبلوماسية مع البرازيل، علماً أن الواردات البرازيلية من إسرائيل بلغت عام 2014 (464 مليون دولار أمريكي)، وهناك علاقات تعاون في مجالات الزراعة والتجارة والعلاقات العسكرية، خاصةً في ما يتعلق ببعض تقنيات السلاح الإسرائيلي.
ومع عضوية البرازيل في دول الــ «بركس» وفتحها للاقتصاد البيني المتبادل، فإن البرازيل بات أمامها أفقاً واسعاً لتبادل تجاري وعسكري أرحب من العلاقة التجارية مع إسرائيل.
كما لا يمكن إغفال دور الجاليات العربية في دول أمريكا اللاتينية، وهي يمكن أن تلعب دوراً نشطاً ومؤثراً في تعزيز المواقف ودعم القضية الفلسطينية، وكذلك في مجال التوعية بالقضية ذاتها.
يبلغ إجمالي الوجود العربي هناك 25 مليون، يوجد منهم 12 مليوناً في البرازيل، معظمهم من أصول سورية ولبنانية، يقابلهم أقل من 96 ألف يهودي في البرازيل، وتشير التقديرات إلى أن عدد المواطنين من أصول فلسطينية في تشيلي يبلغ 400 ألف مواطن، مقابل 182 ألف يهودي فقط، الأمر الذي يؤثر في حكومات تلك الدول، أي عبر العدد الكبير للجاليات من الأصول العربية.
كما أن مواقف بابا الفاتيكان الأرجنتيني الأصول، تمثل دافعاً قوياً لاتباعه، حيث أن آرائه يصغى إليها في موضوعة القضية الفلسطينية..

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف